سيد محمد طنطاوي
8
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمنافقين ، وعن الجهاد في سبيل اللَّه . إلى غير ذلك من الموضوعات التي يكثر ورودها في القرآن المدني . ومن هنا قال القرطبي : « ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها » « 1 » . 3 - سورة النساء سميت بهذا الاسم لأن ما نزل منها في أحكام النساء أكثر مما نزل في غيرها . وكثيرا ما يطلق عليها اسم « سورة النساء الكبرى » تمييزا لها عن سورة أخرى عرضت لبعض شؤون النساء وهي « سورة الطلاق » التي كثيرا ما يطلق عليها اسم « سورة النساء الصغرى » . 4 - ومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة آل عمران التي قبلها : أن سورة آل عمران اختتمت بالأمر بالتقوى في قوله - تعالى - : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * وسورة النساء افتتحت بالأمر بالتقوى . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ . قال الآلوسي : « وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور . وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر : تشابه الأطراف . وقوم يسمونه بالتسبيغ . وذلك كقول ليلى الأخيلية : إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة رواها رواها فأرواها بشرب سجالها دماء رجال حيث نال حشاها « 2 » ومنها أن في سورة آل عمران تفصيلا لغزوة أحد . وفي سورة النساء حديث موجز عنها في قوله - تعالى - : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّه أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا . وكما في قوله - تعالى - : ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ . ومنها : أن في كلتا السورتين محاجة لأهل الكتاب ، وبيانا لأحوال المنافقين ، وتفصيلا لأحكام القتال . ومن أمعن نظره - كما يقول الآلوسي - وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها . فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك « .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 1 . طبعة دار الكتب المصرية سنة 1356 ه . سنة 1937 م . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 178 .